سامر شقير: هل انتهى زمن الأرباح السهلة في عقار الرياض؟
في قلب الرياض، حيث ترتفع الأبراج وتتوسع الأحياء الحديثة بوتيرة تعكس اقتصادًا متسارعًا، بدأ مشهد جديد يتشكل بهدوء لافت. سوق الإيجارات، الذي اعتاد القفزات الحادة لسنوات، لم ينهَر كما توقع البعض، بل دخل مرحلة تهدئة مدروسة تعكس تحولًا أعمق في بنية السوق. لم يعد السؤال عن مدى سرعة ارتفاع الأسعار، بل عن طبيعة هذا التحول: هل نحن أمام نهاية المضاربة وبداية عصر أكثر نضجًا وذكاءً في الاستثمار العقاري؟
بعد أكثر من أربعين شهرًا من الارتفاعات المتواصلة، سجلت إيجارات المساكن أدنى وتيرة نمو لها منذ سنوات، خاصة في الرياض التي تمثل قلب السوق العقاري في السعودية. هذا التباطؤ لا يعكس ضعفًا في الطلب، بل نتيجة مباشرة لسياسات تنظيمية أعادت التوازن بين العرض والطلب، ونجحت في كبح جماح الارتفاعات دون التأثير على جاذبية السوق. ما يحدث اليوم ليس تراجعًا، بل إعادة
الإجراءات الحكومية لعبت دورًا حاسمًا في هذا التحول، حيث لم تقتصر على حلول مؤقتة، بل استهدفت بنية السوق نفسها. من زيادة المعروض السكني بشكل منظم، إلى تفعيل رسوم الأراضي
البيضاء، وتعزيز الشفافية في العلاقة بين المؤجر والمستأجر، كلها خطوات ساهمت في نقل السوق من حالة “السخونة المفرطة” إلى حالة “التوازن المستدام”. هذه البيئة الجديدة لا تقلل من فرص الاستثمار، بل تعيد تعريفها على أسس أكثر صلابة.
يرى سامر شقير أن ما نشهده اليوم يمثل بداية مرحلة النضج الحقيقي للسوق العقاري في السعودية. فالمكاسب لم تعد تعتمد على الارتفاع السعري وحده، بل أصبحت مرتبطة بعوامل أكثر عمقًا مثل جودة المشروع، وكفاءة التشغيل، والموقع الاستراتيجي، والقيمة المضافة التي يقدمها العقار. السوق لم يعد يكافئ السرعة بقدر ما يكافئ الفهم.
هذا التحول انعكس بوضوح على عقلية المستثمر. لم تعد المضاربة السريعة الخيار المفضل، بل أصبحت العوائد الإيجارية المستقرة أكثر جاذبية، خاصة في ظل تحقيق بعض المشاريع نسب عائد تتراوح بين 6% و8%. كذلك، لم يعد الحجم هو العامل الحاسم، بل جودة المشروع وقدرته على تحقيق إشغال مرتفع واستمرارية في الطلب. كما بدأت الأنظار تتجه خارج الرياض نحو مدن مثل جدة والدمام، إضافة إلى المناطق المرتبطة بالممرات اللوجستية والمشاريع الكبرى.
مع اقتراب عام 2026، تتجه السوق العقارية نحو مزيد من التنظيم والتنوع. زيادة المعروض ستخلق فرصًا أفضل للشراء وتساهم في استقرار الأسعار، بينما يبرز العقار الذكي والمستدام كعنصر تنافسي جديد، مدفوعًا بتغير تفضيلات الأجيال الشابة. كذلك، يتسع نطاق الاستثمار ليشمل مناطق جديدة لم تكن سابقًا ضمن دائرة الاهتمام، ما يعكس تحولًا في خريطة الفرص داخل المملكة.
في هذا السياق، يصبح الاستثمار الذكي أقل ارتباطًا بتوقيت السوق وأكثر ارتباطًا بجودة القرار. الموقع يظل العامل الأهم، لكن لا يقل عنه أهمية وجود إدارة تشغيلية احترافية تضمن استدامة العائد. التنويع بين القطاعات العقارية، سواء السكنية أو التجارية أو اللوجستية، أصبح ضرورة لتقليل
المخاطر، في حين أن الالتزام بالأنظمة لم يعد عبئًا، بل جزءًا من بناء قيمة طويلة الأمد.
المرحلة الحالية تتطلب نفسًا طويلًا، حيث لم تعد السوق تكافئ من يلاحق القمم، بل من يبني استراتيجيته على أسس واضحة ورؤية بعيدة. كما يؤكد سامر شقير، فإن النجاح في الأسواق
الناضجة لا يأتي من انتظار الصعود، بل من القدرة على قراءة السوق بشكل أدق من الآخرين.
في النهاية، تباطؤ الإيجارات في الرياض لا يعني نهاية الطفرة العقارية، بل نهاية مرحلة العشوائية
وبداية مرحلة الاحتراف. السوق اليوم أكثر شفافية، وأكثر توازنًا، وأكثر قدرة على جذب الاستثمارات الذكية والمؤسسية. إنها لحظة تحول حقيقية، تفتح الباب أمام من يفهم أن الاستثمار العقاري لم يعد سباقًا لتحقيق أرباح سريعة، بل رحلة لبناء قيمة مستدامة تنمو مع الزمن.













