الأحد 5 أبريل 2026 09:33 مـ 17 شوال 1447 هـ
صوت مصر والعالم
أسسها المرحوم قطب الضوي مدير الموقع هدير الضوي
×

سامر شقير: القرار الأخطر في سوق النفط 2026.. تناقض يهز الأسواق

الأحد 5 أبريل 2026 03:19 مـ 17 شوال 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا في المشهد الجيوسياسي، يكشف قرار إدارة ترامب بمنح إعفاء مؤقت من العقوبات على النفط الإيراني عن طبقة أعمق من التفاعلات بين السياسة والاقتصاد.

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهة مع إيران يُفتح باب محدود – لكنه مؤثر – أمام تدفق ملايين البراميل إلى الأسواق العالمية، في خطوة تبدو للوهلة الأولى تكتيكية، لكنها تحمل تداعيات استراتيجية معقدة.

الإعفاء الذي يمتد لـ30 يومًا، ويسمح بدخول ما يقارب 140 مليون برميل من النفط المخزن في عرض البحر، يعكس محاولة لاحتواء الضغوط على الأسعار العالمية، خاصة مع اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالتوترات في مضيق هرمز.

لكن خلف هذا الهدف الظاهر، تتشكَّل ديناميكية مختلفة تمامًا، حيث تتحوَّل العقوبات – بشكل غير مباشر – إلى أداة تتيح لبعض شبكات التجارة المرتبطة بالنفط الإيراني تحقيق أرباح استثنائية.

هذه الشبكات، التي عملت لسنوات ضمن ما يُعرف بـ"الأسطول الظل"، تجد نفسها فجأة أمام نافذة قانونية مؤقتة لتصريف مخزونها بأسعار مرتفعة، مستفيدة من بيئة سوق مشحونة بالتقلبات، والنتيجة أن مَن يفترض أن يكونوا الأكثر تضررًا من العقوبات، يصبحون من أبرز المستفيدين منها في لحظات معينة.

من منظور استثماري، يرى سامر شقير أنَّ هذا النوع من القرارات يعكس ما يمكن تسميته بـ"التناقض الاستراتيجي"، حيث تتقاطع الأهداف السياسية مع ضرورات السوق.

فالولايات المتحدة تسعى إلى خفض أسعار النفط لحماية الاقتصاد العالمي من صدمة تضخمية، لكنها في الوقت ذاته تضخ سيولة غير مباشرة في شرايين الاقتصاد النفطي الإيراني، ولو بشكل مؤقت.
على مستوى السوق، يُمثِّل دخول هذه الكميات دفعة قصيرة الأجل نحو تهدئة الأسعار، ما ينعكس

لكن هذه التهدئة تظل هشة بطبيعتها، لأن الإعفاء محدود زمنيًّا، ولأن جذور الأزمة – أي التوترات الجيوسياسية – لا تزال قائمة، هذا يعني أن الأسواق قد تشهد موجات متتالية من الصعود والهبوط، ما يخلق بيئة مثالية للمضاربين والمستثمرين الذين يجيدون التعامل مع التقلبات.

في المقابل، تبرز دول آسيوية مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، كمستفيدين رئيسيين من هذا الوضع، حيث تحصل على إمدادات بأسعار تنافسية، ما يحسن موازناتها التجارية ويعزز استقرارها الاقتصادي، هذه الاستفادة تعكس مرة أخرى كيف يمكن للأزمات أن تعيد توزيع المكاسب على مستوى النظام العالمي.

لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى المخاطر. فإغلاق جزئي أو كلي لمضيق هرمز، أو أي تصعيد عسكري جديد، قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية خلال فترة قصيرة، ما يعيد الضغوط التضخمية بقوة إلى الاقتصاد العالمي.

هذا السيناريو يظل حاضرًا في أذهان المستثمرين، ويجعل من إدارة المخاطر أولوية لا تقل أهمية عن البحث عن العائد.

ويرى سامر شقير، أنَّ الفرص الحقيقية في مثل هذه البيئات لا تكمن في التوقعات الاتجاهية البسيطة، بل في فهم التوازنات الخفية بين السياسة والسوق فالاستثمار الذكي هنا يعتمد على المرونة، وتنويع الأصول، واستخدام أدوات التحوط مثل الصناديق المرتبطة بالطاقة أو المعادن الثمينة.

كما يشير إلى أن هذه المرحلة قد تعيد تسليط الضوء على أهمية الاستثمار في بدائل الطاقة على المدى الطويل، فكل أزمة في سوق النفط تعزز القناعة بأن الاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة يمثل مخاطرة استراتيجية، وهو ما يدفع الحكومات والشركات إلى تسريع التحول نحو مصادر أكثر استدامة.

في النهاية، يكشف هذا الإعفاء أن الأسواق لا تتحرك فقط وفق قوانين العرض والطلب، بل أيضًا وفق قرارات سياسية قد تبدو متناقضة في ظاهرها، لكنها تخدم أهدافًا متعددة في آن واحد، ومَن يفهم هذه التداخلات، ويدرك أنَّ كل أزمة تحمل في داخلها فرصة، سيكون الأقدر على قراءة الاتجاهات المستقبلية واتخاذ قرارات استثمارية أكثر وعيًا.