سامر شقير: من تريليون دولار تتبخر إلى سباق AI العالمي.. هل نعيش إعادة هندسة للنظام المالي؟
في الأسابيع الأخيرة شهدنا مشهدًا استثنائيًّا بكل المقاييس، ما يقارب تريليون دولار تتبخر من القيمة السوقية لبيتكوين خلال موجة تقلب حادة، وفي التوقيت ذاته تحصل إحدى أكبر منصات الأصول الرقمية على موافقة مشروطة لاستخراج ترخيص بنك استئماني وطني في الولايات المتحدة، بينما يتصاعد سباق تمويل مراكز البيانات العملاقة ضمن المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين.
إعادة هندسة عميقة النظام المالي العالمي
وفي هذا السياق، أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أن هذه الأحداث ليست منفصلة، وليست تقلبات عابرة في أسواق اعتدنا على اضطرابها؛ بل هي مؤشرات متزامنة على أن النظام المالي العالمي يخضع لعملية إعادة هندسة عميقة.
وأضاف شقير في بيان أنه عندما تهبط بيتكوين بعنف ثم ترتد سريعًا من مستويات قريبة من 58 ألف دولار إلى نطاق 67–70 ألفًا، فالقصة ليست مجرد مضاربة، وما يحدث يعكس إعادة توزيع للسيولة العالمية، وتحولًا في شهية المخاطرة، وإعادة تسعير لمعادلات السياسة النقدية والجيوسياسية.
البيتكوين مرآة لحركة رأس المال العالمي
وقال: إن بيتكوين لم تعد هامشًا رقميًّا خارج النظام، بل أصبحت مرآة لحركة رأس المال العالمي وفي 2018 كانت فقاعة ICO، وفي 2022 كان انهيار منصات كبرى وصدمة رفع الفائدة، أما في 2026 فنحن أمام مرحلة مختلفة: دخول مؤسسي واسع، صناديق ETF، تفاعل مباشر مع الخطاب السياسي، وتقاطع واضح مع ثورة الذكاء الاصطناعي.
وأوضح سامر شقير في بيانه، أن التحول الأهم لا يكمن في السعر، بل في البنية، عندما تحصل منصة مثل Crypto.com على موافقة مشروطة لاستخراج ترخيص بنك وطني استئماني في الولايات المتحدة، فإن ذلك يعني أن الأصول الرقمية بدأت تدخل من الباب الأمامي للنظام المالي، لا من نوافذه الخلفية.
وتابع: "نحن ننتقل من مرحلة "Wild West Crypto" إلى مرحلة التمويل الرقمي المؤسسي المنظم، هذا الاعتراف التنظيمي يغيّر معادلة المخاطر جذريًّا؛ فهو يفتح الباب أمام اندماج أعمق بين البنوك التقليدية ومنصات الأصول الرقمية، ويقلل من فجوة الثقة التي لطالما أبقت رؤوس الأموال المحافظة خارج هذا القطاع".
وأكد أنه في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد السياسي وعندما يتحدث رئيس بحجم ترامب عن التكنولوجيا والرسوم الجمركية والذكاء الاصطناعي، فإن السوق لا يكتفي بمتابعة الخطاب؛ بل يعيد تسعير المخاطر فورًا، وأن التقلبات المرتبطة بالمواقف السياسية تؤكد أنَّ السياسة أصبحت متغيرًا مباشرًا في معادلة تسعير الكريبتو، تمامًا كما هي في أسواق الطاقة أو السندات. السؤال الذي يجب أن يطرحه المستثمر على نفسه ليس: هل أشتري عند الانخفاض؟ بل: هل أفهم الدورة الكبرى التي تحرك هذه التحولات؟
الذكاء الاصطناعي لا غنى عنه
وقال سامر شقير: إن الذكاء الاصطناعي يمثل الضلع الثالث في هذا المثلث، سباق مراكز البيانات ليس قصة تقنية فحسب؛ إنه سباق على الطاقة، على أشباه الموصلات، على التمويل طويل الأجل، وعلى أنظمة دفع رقمية قادرة على استيعاب اقتصاد أكثر سرعة وتعقيدًا، الذكاء الاصطناعي لا يحتاج بيتكوين بحد ذاته، لكنه يحتاج بنية تحتية مالية مرنة وعابرة للحدود، وهنا تتقاطع الخيوط: AI يحتاج طاقة، والطاقة تحتاج تمويلًا، والتمويل يبحث عن أدوات رقمية أكثر كفاءة، والكريبتو يسعى للشرعية المؤسسية وهذا التشابك هو ما يصنع إعادة هندسة النظام، لا تحرك أصل منفرد.
وأشار سامر شقير، إلى أن كبار المستثمرين العالميين قدموا دروسًا مهمة في مثل هذه اللحظات فالملياردير الأمريكي وارن بافيت أحد أبرز المستثمرين في التاريخ، يركز دائمًا على التدفقات النقدية الحقيقية والبنية التحتية المنتجة، حتى وإن تحفظ على بيتكوين كمخزن للقيمة، بينما الملياردير راي داليو، مؤسس شركة "بريدج ووتر" يتحدث عن تحولات النظام النقدي ودورات الديون، مؤكدًا أن التنويع ضرورة في مراحل إعادة التوازن الكبرى، والمستثمر الأمريكي ستانلي دركينميلر دخل بيتكوين عندما رأى تحولًا هيكليًّا في السياسة النقدية، بينما بنى مايكل سايلور المؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة شركة "ستراتيجي" أطروحته على اعتبار الأصل الرقمي تحوطًا استراتيجيًّا طويل الأجل.
ولفت شقير، إلى أن الدرس المشترك بينهم ليس الاتفاق على أصل بعينه، بل القدرة على قراءة التحول الهيكلي قبل أن ينعكس بالكامل في الأسعار.
وأوضح أنه من منظور استراتيجي عالي الثروة (UHNW)، أرى أن المرحلة الحالية تتطلب انضباطًا لا اندفاعًا وفي المدى القصير، لا ينبغي الدخول بكامل السيولة في أصل عالي التقلب، بل إدارة التعرض ضمن نسب مدروسة، ومراقبة المستويات الفنية التي تعكس توازن العرض والطلب.
وفي الأفق المتوسط من 6 إلى 18 شهرًا، الأهم هو متابعة التشريعات الأمريكية والأوروبية، ورصد وتيرة اندماج البنوك مع منصات الأصول الرقمية، والاستثمار في صناديق مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية لا في المضاربات اللحظية، أما في الأفق الطويل من 3 إلى 5 سنوات، فالتركيز ينبغي أن يكون على مراكز البيانات، والطاقة النظيفة، وبنية الذكاء الاصطناعي، وخدمات الحفظ الرقمي المؤسسي، لأن هذه هي الأعمدة التي سيقوم عليها النظام المالي الجديد.
وقال شقير: إنه في سياق المنطقة، ولا سيما المملكة العربية السعودية ضمن إطار Vision 2030، لا يتم الرهان على عملة بعينها، بل على بناء بنية تحتية رقمية واقتصاد متنوع قادر على استقطاب رؤوس الأموال العالمية، والاستثمار في مراكز البيانات، والاقتصاد الرقمي، وتنويع مصادر الدخل، كلها عناصر تجعل السؤال الاستراتيجي ليس "هل نشتري بيتكوين؟" بل "كيف نتموضع داخل إعادة هندسة النظام المالي العالمي؟".
وأضاف أن التاريخ يعلمنا أن اللحظات الفاصلة لا تبدو دائمًا درامية في وقتها في 2008 من فهم الأزمة بنى إمبراطوريات وفي 2018 من فهم فقاعة الطروحات الأولية للعملات تجنب انهيارات مؤلمة، وفي 2022 من أدرك أزمة السيولة خرج سالمًا، واليوم، في 2026، من يفهم تقاطع الذكاء الاصطناعي مع الكريبتو والسياسة والطاقة سيضع الأساس للجيل القادم من الثروة.
رسالة شقير إلى المستثمرين
رسالتي للمستثمرين واضحة: لا تبنوا قراراتكم على عنوان مثير أو حركة سعر يومية، ابنوا قراراتكم على أطروحة ناضجة، وعلى فهم عميق للدورة الكبرى، ما نشهده ليس أزمة بيتكوين، ولا مجرد سباق تقني؛ إنه انتقال تدريجي إلى نظام مالي أكثر رقمية، أكثر ترابطًا مع السياسة، وأكثر اعتمادًا على البنية التحتية التكنولوجية، مَن يفهم أين تنتقل البنية التحتية لرأس المال، لن يطارد الثروة في قمم المضاربة، بل سيبنيها بهدوء وثبات في قلب التحوُّل.



