الجمعة 27 فبراير 2026 02:35 صـ 10 رمضان 1447 هـ
صوت مصر والعالم
أسسها المرحوم قطب الضوي مدير الموقع هدير الضوي
×

رأس المال الذكي يتموضع مبكرًا.. سامر شقير يكشف مؤشرات التَّحوُّل الهيكلي في السوق السعودية

الخميس 26 فبراير 2026 02:54 مـ 9 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أكَّد رائد الاستثمار المهندس سامر شقير، أنه عندما ترتفع ملكية الأجانب في السوق السعودية إلى 11.4% (باستثناء أرامكو)، ويصل عدد التراخيص الاستثمارية إلى 24,244 ترخيصًا في عام واحد، فإننا لا نتحدث عن أرقام عابرة في تقرير دوري، بل عن إشارة هيكلية عميقة يفهمها رأس المال العالمي جيدًا.

مرحلة ما قبل إعادة التسعير

وقال المهندس سامر شقير في بيان صحفي، إن هذه المرحلة تمثل ما يُعرف في أدبيات الاستثمار بمرحلة "ما قبل إعادة التسعير" (Pre-Repricing Phase)، حيث يبدأ المال الذكي بالتموضع قبل أن تتشكل القناعة العامة، وقبل أن تعكس التقييمات الإمكانات الكاملة للسوق.

وكما قال وارن بافيت أحد أبرز المستثمرين في التاريخ: "الأموال الطائلة لا تكمُن في الشراء أو البيع.. بل في الانتظار"، المسألة إذًا ليست في الحركة السريعة، بل في قراءة التحولات قبل اكتمالها، والسؤال الجوهري اليوم: ماذا يرى رأس المال العالمي في السعودية؟

وأشار "شقير" إلى أن التاريخ المالي يقدم نمطًا متكررًا ففي الولايات المتحدة بين عامي 1982 و1999، ارتفعت ملكية المستثمرين الأجانب في الأسهم الأمريكية بأكثر من 300%، ودخل مؤشر S&P 500 واحدة من أقوى موجات الصعود في تاريخه، محققًا ارتفاعًا تجاوز 800% خلال 17 عامًا، لم يكُن ذلك نتيجة عامل واحد، بل تزامن تدفق رؤوس الأموال مع استقرار الأنظمة، ووضوح السياسات، وقابلية الاقتصاد للتوسع.

وكما قال راي دايلو مؤسس Bridgewater Associates: "تتدفق رؤوس الأموال حيث تكون الأنظمة مستقرة وقابلة للتنبؤ وقابلة للتوسع"، رأس المال يبحث دائمًا عن بيئة نمو طويلة الأجل، لا عن ضجيج قصير الأمد.

في الصين، بعد انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، تسارعت وتيرة الانفتاح وتدفقت الاستثمارات الأجنبية، وارتفع مؤشر Shanghai Composite بأكثر من 300% خلال سنوات الطفرة التي سبقت الأزمة المالية العالمية.

وكانت تلك المرحلة نقطة تحوُّل في إعادة تسعير الاقتصاد الصيني عالميًّا، وكما قال المستثمر المخضرم Mark Mobius: "الفرص الكبرى تظهر عندما يبدأ السوق بالانفتاح، لا عندما يكتمل الازدحام".

وأوضح رائد الاستثمار سامر شقير، أن الهند قدمت نموذجًا آخر بين 2014 و2023، حيث ترافقت الإصلاحات الاقتصادية مع ارتفاع ملكية المستثمرين الأجانب، وحقق مؤشر Nifty 50 نموًا تجاوز 160% خلال أقل من عقد، هذا الصعود لم يكُن موجة مضاربية، بل نتيجة إعادة تموضع تدريجية لرأس المال العالمي نحو اقتصاد يتمتع بحوكمة أقوى وزخم ديموغرافي واضح.

مستقبل رأس المال يتجه نحو الاقتصادات الصاعدة

وفي هذا السياق، أشار Larry Fink رئيس مجلس إدارة شركة "بلاك روك"، إلى أن مستقبل رأس المال يتجه نحو الاقتصادات الصاعدة التي تجمع بين الحوكمة القوية والديناميكية السكانية.

وأضاف "شقير" أنه انطلاقًا من هذا النمط التاريخي، فإنَّ نسبة 11.4% من ملكية الأجانب في السوق السعودية (دون أرامكو) لا تعني مجرد زيادة في الحصة السوقية، بل تعني أن مرحلة التجميع الاستراتيجي قد بدأت، المستثمر الأجنبي لا يدخل استنادًا إلى أداء الأمس، بل بناءً على قراءة الغد، وكما قال George Soros: "السوق تُسعّر المستقبل قبل أن يصبح واقعًا".

وتابع رائد الاستثمار قائلًا: "أما تسجيل 24,244 ترخيصًا استثماريًّا في عام واحد، فهو مؤشر لا يقل أهمية عن تدفقات السوق المالية، وعندما يرتفع عدد التراخيص بهذا الشكل، فإن ذلك يعكس انتقالًا من الاستثمار المالي البحت إلى الاستثمار الحقيقي، حيث لا تكتفي الشركات العالمية بشراء الأصول، بل تؤسس وجودًا تشغيليًّا داخل الاقتصاد".

وأكَّد أن التجارب العالمية تؤكد أنَّ هذا التحوُّل هو ما يصنع المراكز المالية والاقتصادية الكبرى، فسنغافورة، التي قاد تحولها المؤسس Lee Kuan Yew، لم تصبح مركزًا ماليًّا عالميًّا بين ليلة وضحاها، بل عبر سياسات جذبت الشركات والمؤسسات ومنحت رأس المال بيئة تنافسية مستقرة، وكما قال: "لا يذهب رأس المال إلى حيث يُدعى، بل يذهب إلى حيث يُعامل بأفضل طريقة".

رؤية السعودية 2030

وقال سامر شقير: إنه في السياق السعودي، يرتبط ما يحدث اليوم مباشرة بالتحوُّل الذي أطلقته رؤية السعودية 2030، وهي ليست خطة قطاعية، بل إعادة تصميم شاملة للنظام الاقتصادي، من التشريعات إلى الحوكمة، وصولًا إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الخاص.

وارتفاع عمق السوق المالية، وتزايد عدد الشركات العالمية التي تنشئ مقرات إقليمية في المملكة، وتحسن بيئة الأعمال، كلها عناصر ترسخ جاذبية الاقتصاد السعودي لرأس المال طويل الأجل.
إن ما نشهده اليوم يشبه المراحل الأولى التي سبقت إعادة تسعير كبرى في أسواق عالمية أخرى،

رأس المال العالمي لا يتحرك نحو الماضي، بل نحو المستقبل، وتزامن ارتفاع ملكية الأجانب مع زيادة التراخيص الاستثمارية يُمثِّل إشارة واضحة على دخول السوق في مرحلة إعادة تقييم هيكلية، الاستثمار الحقيقي لا يبدأ عندما ترتفع الأسعار ويكتمل الإجماع، بل عندما يبدأ رأس المال الذكي بالتموضع قبل أن تتشكَّل القناعة العامة.

وكما قال Peter Lynch المستثمر أمريكي، ومدير صناديق استثمارية: "أفضل الاستثمارات هي تلك التي تتم قبل أن تصبح واضحة للعيان"، ما يحدث اليوم في السعودية ليس مجرد نمو دوري، بل إعادة تموضع تدريجية لرأس المال العالمي، لم يعد السؤال ما إذا كانت الأرقام قد ارتفعت، بل لماذا اختار رأس المال أن يدخل الآن، والتاريخ يؤكد أنَّ مثل هذه اللحظات غالبًا ما تسبق التحول الأكبر، وأنَّ مرحلة ما قبل إعادة التسعير هي الأكثر هدوءًا والأكثر حسمًا.