سامر شقير يكتب.. عندما تجلس الدول على طاولة الذكاء الاصطناعي… تبدأ كتابة التاريخ لا استخدامه
سامر شقير يضع في السطور التالية نظرة مدققة عن استثمارات الذكاء الاصطناعي، وجاء المقال كالتالي:
في صيف عام 1956، داخل قاعة صغيرة في كلية دارتموث بالولايات المتحدة، اجتمع عدد من العلماء لمناقشة سؤال بدا آنذاك أقرب إلى الخيال العلمي: هل يمكن للآلة أن “تفكر”؟
ذلك الاجتماع، المعروف لاحقًا بمؤتمر Dartmouth Summer Research Project on Artificial Intelligence، لم يشهد استثمارات ضخمة، ولا شركات ناشئة، ولا نماذج أعمال واضحة. لكنه أطلق الشرارة الفكرية لاقتصاد سيولد بعد سبعين عامًا وتُقدَّر قيمته اليوم بأكثر من 15 تريليون دولار.
وفي فبراير 2026، عندما انضمت المملكة العربية السعودية إلى Global Partnership on Artificial Intelligence (GPAI)، لم تكن تنضم إلى منظمة دولية فحسب، بل إلى فصل جديد من هذا التاريخ—فصل تنتقل فيه المنافسة من مستوى الشركات إلى مستوى الدول.
لفهم عمق هذه اللحظة، يجب العودة إلى الأساس الفكري الذي حوّل الذكاء الاصطناعي من فكرة فلسفية إلى بنية اقتصادية.
الفصل الأول: الكتاب الذي شرح كيف “تفكر” الآلة
في عام 2010، نشر العالمان David Poole وAlan Mackworth كتابهما المرجعي
Artificial Intelligence: Foundations of Computational Agents.
لم يكن الكتاب مجرد دليل تقني، بل طرح تصورًا اقتصاديًا عميقًا:
الذكاء الاصطناعي هو “عامل حسابي” (Computational Agent) يتلقى معلومات، يقيّم الخيارات، ويتخذ قرارًا لتعظيم النتيجة.
بهذا التعريف، لم يعد الذكاء الاصطناعي برنامجًا… بل أصبح نظام قرار.
وهنا تبدأ القيمة الاقتصادية.
الفصل الثاني: من النظرية إلى الثروة
أول من التقط الإشارة لم يكونوا أكاديميين فقط، بل مستثمرين أدركوا أن “القرار القابل للحساب” هو أصل استثماري بحد ذاته.
1) جيف بيزوس: التوصية كنظام قرار
في عام 2003، بدأت Amazon بقيادة Jeff Bezos في تطوير أنظمة توصية تعتمد على ما يُعرف بـ “agents” — أنظمة تقرر ما يجب أن يراه المستخدم.
اليوم، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 35% من إيرادات الشركة تأتي من خوارزميات التوصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
أمازون لم تكن تبيع كتبًا فقط… بل بنت نظامًا يتخذ قرارات لحظية على نطاق عالمي.
2) جيم سايمونز: السوق كمعادلة
Jim Simons، مؤسس Renaissance Technologies، طبّق المبدأ ذاته في الأسواق المالية.
حوّل السوق إلى بيانات، والبيانات إلى نماذج، والنماذج إلى قرارات تداول.
صندوقه الشهير Medallion Fund حقق متوسط عائد سنوي يتجاوز 66% قبل الرسوم على مدى عقود.
التطبيق العملي كان واضحًا: “عامل حسابي” يتخذ قرارًا لتعظيم العائد.
3) جينسن هوانغ: البنية التحتية للقرار
عندما أسس Jensen Huang شركة NVIDIA عام 1993، لم يكن الذكاء الاصطناعي صناعة قائمة.
لكن مع تطور النظريات والتطبيقات، أصبحت القدرة الحسابية هي الأساس.
اليوم، تُعد NVIDIA العمود الفقري للذكاء الاصطناعي عالميًا، بقيمة سوقية تجاوزت 1.8 تريليون دولار.
الثروة هنا لم تُبنَ عند الاستخدام… بل عند توفير القدرة على اتخاذ القرار.
الفصل الثالث: عندما تتحرك الدول
بعد عام 2017، دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة: مرحلة السياسات الوطنية.
الصين
استثمرت بكين أكثر من 150 مليار دولار لبناء بنية تحتية متكاملة للذكاء الاصطناعي، ما مكّن شركات مثل Baidu وTencent من قيادة قطاعات استراتيجية.
الولايات المتحدة
دعمت منظومتها الابتكارية عبر شركات مثل OpenAI وMicrosoft وNVIDIA، ليصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من بنيتها الاقتصادية.
كندا
استثمرت مبكرًا في البحث العلمي، وأصبحت مركزًا عالميًا للمواهب في هذا المجال.
هنا تغيرت المعادلة: لم يعد السؤال من يملك التطبيق الأفضل، بل من يملك البنية التحتية الأوسع.
الفصل الرابع: السعودية والدخول في اللحظة الصحيحة
انضمام المملكة العربية السعودية إلى GPAI في 2026 لم يكن خطوة رمزية.
بل امتدادًا لمسار استثماري وتنظيمي بدأ قبل سنوات.
المملكة ركزت على البنية التحتية:
مراكز بيانات
استثمارات استراتيجية عبر Public Investment Fund
تطوير المواهب عبر Saudi Data and Artificial Intelligence Authority
هذا النهج يتسق مع الفكرة الجوهرية التي طرحها كتاب Poole وMackworth:
الذكاء الاصطناعي ليس تطبيقًا… بل نظام قرار اقتصادي.
الفصل الخامس: أين تُبنى الثروة فعليًا؟
التاريخ الاقتصادي يُظهر نمطًا واضحًا:
الثروة الكبرى لا تُبنى عند استخدام التكنولوجيا، بل عند بناء بنيتها التحتية.
في عصر الإنترنت، لم تكن أكبر الثروات من المستخدمين، بل من شركات مثل Cisco وMicrosoft وAmazon التي بنت الشبكات والأنظمة.
اليوم، تتكرر القصة مع الذكاء الاصطناعي.
الفصل السادس: الرابط بين الكتاب… والسوق… والدول
الكتاب شرح كيف تتخذ الآلة القرار.
الشركات طبّقت المفهوم وبنت نماذج أعمال.
الدول تبني البنية التحتية وتعيد توزيع الثروة عالميًا.
بانضمامها إلى GPAI، أصبحت السعودية جزءًا من هذه المرحلة الانتقالية—مرحلة كتابة قواعد اللعبة بدل الاكتفاء بالمشاركة فيها.
الخلاصة: رسالة للمستثمر وصانع القرار
في 1995، كان الإنترنت فكرة.
في 2010، كان الذكاء الاصطناعي نظرية.
في 2026، أصبح بنية تحتية اقتصادية.
وكما قال Warren Buffett:
“أفضل الاستثمارات تبدو واضحة… ولكن بعد فوات الأوان.”
الذكاء الاصطناعي اليوم ليس تجربة تقنية، بل نظامًا سيعيد تشكيل قرارات الاقتصاد العالمي.
والدول التي تبني هذا النظام الآن… لن تكتب تاريخ التكنولوجيا فقط، بل تاريخ الثروة في العقود المقبلة.

