سلاح التعرفة.. عندما يغلق القضاء بابًا ويفتح الاقتصاد نافذة
تخيل المشهد كالتالي: مدينة اقتصادية نامت على خبرٍ قضائي مريح؛ المحكمة العليا الأمريكية أسقطت "سلاح التعرفة" الذي فُرض تحت قانون الطوارئ (IEEPA). تنفس المستثمرون الصعداء، وظنت الأسواق أن قواعد اللعبة عادت للاستقرار.
لكن وقبل أن يبرد الخبر، عاد نفس السلاح ليظهر من "الباب الخلفي"، وباسمٍ قانوني جديد: تعرفة 10% عالمية لمدة 150 يومًا عبر المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974.
هذه ليست مجرد مناورة قانونية في أروقة واشنطن، بل هي قصة "تسعير مخاطر" عابرة للقارات، عندما تتغيَّر الأداة القانونية بهذه السرعة، يتغيَّر معها سلوك الدولار، والذهب، والنفط، وبالتأكيد بوصلة الاستثمار في "تاسي".
لوحة المؤشرات.. ماذا قرأت الأسواق في "إغلاق الجمعة"؟
الأرقام لا تكذب، وهي تشير إلى أنَّ الأسواق لم تنخدع بالهدوء المؤقت.
النفط "علاوة الخطر"
استقرار برنت عند 71.76 دولار (بمكاسب أسبوعية تجاوزت 5%) يعكس قلقًا جيوسياسيًّا حقيقيًّا، خاصةً مع حساسية مضيق هرمز، السوق هنا لا ترى "قفزة عابرة"، بل تُسعِّر "خطر إمدادات".
الذهب "درع اليقين"
وصول الذهب لمستويات 5,071 دولارًا ليس مجرد تحوط من تضخم، بل هو صرخة استثمارية ضد "عدم اليقين" (قوانين متغيرة + تعرفات + نمو متباطئ).
كندا (TSX) كمقياس
ارتفاع المؤشر الكندي (الثقيل بالمعادن والماليات) بنسبة 2.25% أسبوعيًّا يؤكِّد أنَّ مزاج "المخاطرة" العالمي يتجه نحو الأصول الملموسة والتحوطية.
من واشنطن إلى "تاسي".. كيف تترجم هذه الإشارات؟
بالنسبة للمستثمر في السعودية، هذا الضجيج القانوني يفرض عليه طرح ثلاثة أسئلة جوهرية:
1. هل صمود النفط "علاوة مخاطر" أم استدامة؟
قاعدة المستثمر الذكي تقول: "لا تُطارد الخبر.. راقب هل صمد السعر بعده؟"، بقاء النفط قويًا يعني استمرار تدفقات السيولة لقطاع الطاقة، لكنه يضع "البتروكيماويات" تحت المجهر؛ فارتفاع اللقيم قد يضغط الهوامش إذا لم تلحق أسعار المنتجات النهائية بالركب.
2. قيادة الأسهم.. "تشتت" أم "انطلاق واسع"؟
نحن نعيش حالة (Dispersion)؛ حيث تقود السوق أسهم معدودة (غالبًا Tech/AI). في بيئة كهذه، السوق هشَّة، محليًّا، الأفضل هو التركيز الانتقائي.
البنوك: في حال استقرار العوائد.
اللوجستيات والصناعة: الشركات التي تُمثِّل "بدائل استيراد" أو التي تحمي سلاسل الإمداد ستكون الرابح الأكبر من "حروب التعرفة".
3. لغز الدولار والذهب:
لماذا يرتفع الدولار رغم توقعات "تثبيت الفائدة"؟ لأن السوق لا تُسعِّر القرار الفيدرالي فحسب، بل تُسعِّر "الملاذ الآمن"، مزيج (النمو الضعيف + التضخم المحتمل من التعرفات + توترات النفط) يجعل الدولار والذهب يسيران جنبًا إلى جنب في رحلة صعود واحدة.
خارطة طريق للمستثمر السعودي "قائمة الاثنين"
قبل بدء التداولات، اجعل هذه النقاط الـ7 مرجعك:
تعرفة الـ10%: راقب ظهور أي استثناءات لقطاعات الطاقة أو المعادن الأساسية.
قوة الدولار: استمرار قوته يضغط على السلع، لكنه يُعزز قيمة الأصول المقومة بالعملات المرتبطة به (كالريال).
ثبات النفط: الحفاظ على مستويات 71-72 دولار لبرنت يعني بقاء "علاوة المخاطر".
الذهب: بقاؤه فوق 5,000 دولار هو "إنذار" باستمرار عدم اليقين.
اتساع القيادة: هل بدأت الحركة تشمل قطاعات البناء والصناعة بعيدًا عن التقنية؟
القطاع اللوجستي: مع إعادة توجيه التجارة العالمية، تبرز المواني والخدمات اللوجستية السعودية كلاعب استراتيجي.
الصبر: لا تبنِ قرارك على جلسة واحدة؛ القرارات الكبرى تُبنى على تأكيد الاتجاه لثلاثة أيام متتالية.
السوق لا تُسعِّر خبرًا، بل تُسعِّر "سلسلة احتمالات"، طالما أن سلاح التعرفة يتحرَّك بين القوانين، والنفط يحمل صبغة جيوسياسية، والذهب صامد، فهذه بيئة تفضل المستثمر القارئ للبيانات على المستثمر المطارد للعناوين.

