رائد الاستثمار سامر شقير.. حكاية رحلة استثمارية تجمع بين حِكمة الشرق ودقة الغرب
في ظل بيئة اقتصادية عالمية متسارعة، حيث تتشابك التحولات السياسية مع حركة رأس المال، يبرز رائد الاستثمار سامر شقير كأحد أبرز الشخصيات التي تنجح في الجمع بين الرؤية الفكرية والخبرة العملية، عبر مسيرة امتدت على مؤسسات مالية رائدة، وتلقيه دروسًا من مدارس استثمارية مختلفة، يُقدِّم شقير نموذجًا يوازن بين الجرأة والانضباط، وبين فهم الأرقام وفهم سلوك البشر.
وخلال حوار مطول مع سعيد عبد الرحمن، رئيس تحرير مجلة Entrepreneur، كشف شقير عن فلسفته الاستثمارية، رحلته المهنية، وتأثير تجاربه الشخصية على طريقة اتخاذ القرار، مع قراءة معمَّقة للمشهد الإقليمي ودور السعودية كوجهة استثمارية موثوقة في عام 2026.
دمج الرؤى.. بين الدورات الاقتصادية والجذور الثقافية
وصف سامر شقير نفسه بأنه "تلميذ دائم يسعى لربط عالمين"، حيث استفاد من المدارس الغربية الحديثة كما استلهم من جذوره العربية.
وأشار إلى تأثير Ray Dalio في كيفية فهم الدورات الاقتصادية وإدارة المخاطر، وإلى Warren Buffett في قيم الصبر وفهم جوهر الأعمال قبل الاستثمار في الأسهم.
كما تأثر بفكر ابن خلدون الذي سبقه في الحديث عن دورات العمران والاقتصاد، وبعقلية عبد الرحمن بن عوف، الذي علَّمه أنَّ المال إذا لم يتحرَّك يفقد قيمته.
وأكَّد سامر شقير، أنَّ خلفيته اللبنانية، من بيئة تجارية عريقة، غرست لديه قناعة أنَّ التاجر الحقيقي لا ينتظر الفرصة، بل يصنعها وسط التحديات، ولفت إلى أنَّ التَّعلُّم من الكتب يعطي الخريطة، أما التجربة فهي التي تمنح القدرة على السير في الطريق الوعرة، وأنَّ رحلته لم تكُن خطًا مستقيمًا، بل سلسلة تجارب حوَّلت النظرية إلى واقع ملموس.
من البداية المهنية إلى صناعة الأثر
وتحدَّث شقير عن بداياته المهنية قائلًا: "إنه دائمًا يُعرِّف نفسه بتلميذ دائم ومُعلِّم شغوف"، مؤكدًا أنَّ الاقتصاد بالنسبة له هو فهم للناس والقرارات والطموح، وليس مجرد أرقام جامدة.
بدأت مسيرته في جلوبال كابيتال (Global Capital)، حيث تعلَّم قراءة الأسواق الإقليمية وفهم ديناميكيتها، ثم واصل في بلوم إنفست (Blom Invest) حيث تعمَّق في الانضباط المالي والهيكلة الدقيقة.
مرحلة مليكة شكَّلت نقلة نوعية، إذ دخل فيها عالم الاستثمارات الخاصة وإدارة التحوُّلات داخل الشركات، مؤكدًا أنَّ رأس المال وحده لا يكفي، بل الرؤية والقدرة على التنفيذ هما الفارق.
وفي محطة Etihad Capital، انتقل إلى مستوى صناعة الأثر، من خلال إدارة استثمارات بمليارات الدولارات، تتطلب جرأة ومسؤولية، حيث تعلَّم أنَّ الابتكار تحت الضغط هو ما يميز المستثمر الناجح.
وشدَّد رائد الاستثمار على أنَّ الاستثمار الحقيقي ليس رد فعل سريع، بل تخطيط طويل المدى، وأنَّ النجاح يتحقق عبر تراكم الخبرات وتحويل كل تجربة إلى قيمة مضافة.
من التجربة الشخصية إلى أسلوب الاستثمار
تطرق سامر شقير إلى تجربته الشخصية، مشيرًا إلى أنه نشأ في بيئة ميسرة، قبل أن يواجه اختبارًا حاسمًا في كندا بوفاة والده، الأمر الذي حمَّله مسؤولية كبيرة تجاه أسرته.
وقال: "تعلمتُ أنَّ السيولة المالية هي الأمان، وأنَّ الخطر الحقيقي ليس رقمًا، بل فقدان القدرة على التحرك".
ووصف شقير أسلوبه الاستثماري بأنه "الجرأة المحسوبة"، حيث يسعى للفرص لكنه لا يخوض أي معركة دون خط رجوع وهامش أمان، مستلهمًا مبادئ بن جراهام وتشارلي منجر، وأكَّد أنَّ المرونة وإدارة الأزمات تمثلان الثروة الحقيقية التي لا تفقد قيمتها.
بين الغرب والشرق.. مزيج من المنهجية والعلاقات
أوضح سامر شقير، أنَّ الاستثمار في الغرب يرتكز على المعاملات الرسمية والالتزام بالعقود والأرقام، حيث الربح هو الهدف الأساسي.
أما في المنطقة العربية، فالاستثمار يعتمد على العلاقات والثقة والسمعة، حيث يلعب الجانب الشخصي دورًا محوريًّا قبل أي عائد مالي.
وقال: "الميزة اليوم هي القدرة على المزج بين المنهجية الغربية من حيث الحوكمة والدقة، وبين روح الشرق التي تعطي للعلاقات وزنها، لتصبح الصفقة شراكة مصير لا مجرد اتفاقية مالية".
صناعة الصفقات الكبرى والقيادة
وأكَّد شقير أنَّ خبراته في المناصب التنفيذية بشركات كبرى مثل جلوبال وبلوم ومليكة، شكلت قاعدة قوية، لكن التحوُّل النوعي كان عند انضمامه إلى Etihad Capital، حيث عمل مباشرة مع يوسف الفار، مستفيدًا من خبراته في إدارة استثمارات بمليارات الدولارات.
وأشار رائد الاستثمار، إلى أنَّ الصفقة الكبرى لا تصنع في المكتب فقط، بل ببناء الثقة وقراءة المشهد الاقتصادي والجيوسياسي وربط النقاط قبل اكتمال الصورة، وهو ما يُميِّز صانع الصفقات عن مدير الاستثمار التقليدي.
وأضاف سامر شقير، أنَّ استراتيجيته الحالية تعتمد على نموذج "هجين"، يجمع بين الصرامة التحليلية الغربية والذكاء الاجتماعي والجرأة العربية، مما يسمح له بالتنقل براحة بين ثقافات وأسواق مختلفة.
السعودية 2026.. ملاذ آمن وسط التحديات العالمية
وعن الاقتصاد السعودي، قال سامر شقير: إنَّ استقرار المملكة كملاذ آمن ينبع من التحديات التي تواجه اقتصادات أخرى، مثل شيخوخة أوروبا، صراع التضخم في أمريكا، وأزمات العملات في الأسواق الناشئة.
وأكَّد أنَّ "اليقين الاقتصادي" في السعودية يتمثل بفوائض مالية، وعملة مستقرة، وقرار سياسي موحَّد، إضافة إلى إنفاق رأسمالي مستمر في مشاريع عملاقة وبنية تحتية رقمية ولوجستية.
وختم رائد الاستثمار سامر شقير بالقول: "رأس المال بطبيعته حذر، لكنه يصبح أكثر جرأة عندما يرى دولة تتخذ المبادرة بثقة، هذه المعادلة تجعل السعودية نقطة جذب استراتيجية في المنطقة اليوم"

