سامر شقير يكتب.. الفحم الأسود يحكم العالم مجددًا
في لقطة لافتة نشرتها صحيفة «ذي إيكونوميست» اليوم، تمر قوارب عملاقة محمَّلة بأكوام الفحم الأسود أمام جامع ساماريندا الكبير في إندونيسيا، على نهر مهكام تحت سماء غائمة، المشهد ليس من الماضي، بل هو واقع 2026، ويعكس صدمة الطاقة التي تُعيد الفحم إلى صدارة الأولويات العالمية.
أزمة الغاز الطبيعي المسال (LNG) التي ضربت أوروبا وآسيا بسبب التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط دفعت الدول إلى العودة إلى الفحم كخيار سريع وموثوق، حتى ألمانيا التي أغلقت محطات الفحم سابقًا أعادت تشغيلها، بينما رفعت الصين والهند استيراد الفحم بنسبة تفوق 18٪ في الربع الأول من العام.
إندونيسيا، أكبر مصدر عالمي للفحم، تشهد ازدهارًا غير مسبوق في الشحنات النهرية، وهو ما يؤكِّد أنَّ "الفحم الأسود أصبح اليوم الوقود المُفضَّل في السوق الاستثمارية".
عودة الفحم ليست مفاجأة عشوائية، بل نتاج ثلاثة عوامل رئيسية، أولًا، الأمن الطاقي مؤقتًا يتفوق على المناخ؛ الدول تبحث عن الوقود الموثوق، خاصةً بعد انقطاع الغاز الروسي وعجز الموردين الجدد عن تعويض النقص الكامل.
الفحم متاح محليًّا أو قريبًا، ويمكن تخزينه بسهولة، ما يضمن استقرار الشبكات الكهربائية في الشتاء الأوروبي أو الصيف الآسيوي.
ثانيًا، الأسعار تتصاعد بشكل هائل، وسعر طن الفحم الحراري تجاوز 180 دولارًا في بعض الأسواق الآسيوية، مقارنة بـ90 دولارًا قبل سنتين، ما يعكس أرباحًا قياسية لشركات التعدين الكبرى مثل Glencore وBHP وCoal India، وحتى الشركات الإندونيسية الصغيرة التي تنقل الفحم عبر الأنهار تحقق عوائد تصل إلى 40٪ سنويًّا.
ثالثًا، الطلب الآسيوي الهائل يدفع السوق، فالصين تحتاج نحو 4 مليارات طن سنويًّا، والهند تخطط لإضافة 80 ألف ميغاواط من محطات الفحم الجديدة بحلول 2030، بينما أجلت إندونيسيا خطة التخلص التدريجي من الفحم إلى ما بعد 2040، ما يؤكِّد أنَّ الواقع الاقتصادي اليوم يتجاوز الاعتبارات البيئية.
من منظور استثماري، الفحم ليس مجرد وقود انتقالي، بل يُمثِّل فرصة قصيرة المدى، الأسهم الأكثر جاذبية تشمل Coal India في الهند بنمو متوقع 25٪ خلال 2026، وAdaro Energy في إندونيسيا، وGlencore في سويسرا، وPeabody Energy في الولايات المتحدة التي تعود بقوة بعد الإفلاس السابق.
استراتيجية الاستثمار الذكية تكمُن في عدم وضع كل البيض في سلة الفحم، بل تخصيص 15–20٪ من المحفظة لمدة 12–18 شهرًا، مع الاحتفاظ بحصة في الطاقة المتجددة الشمسية والرياح، وهو ما
أسميه «استراتيجية الجسر الأسود»، عبور الفحم اليوم، والانتقال إلى الأخضر غدًا.
هذا لا يعني نهاية الطاقة النظيفة، بل تسلسل منطقي، التكلفة الحقيقية للفحم من حيث التلوث والصحة وتغيُّر المناخ لا تزال مرتفعة، لكن السياسات الحالية تفضل ضمان الضوء والدفء على النقاء البيئي، مؤقتًا.
الصورة التي نشرتها «ذي إيكونوميست» ليست مجرد صورة فوتوغرافية، بل تعكس واقعًا استراتيجيًّا، الفحم اليوم هو جسر ضروري نحو مستقبل أنظف، ومَن يفهم هذا الجسر سيحصد أرباحًا
كبيرة، ومَن يتجاهله سيندم عند ارتفاع فاتورة الكهرباء أو أسعار الأسهم.
الأسود ليس مجرد لون، إنه فرصة استثمارية، وفهم هذا التَّحوُّل المبكر هو ما يميز المستثمر الذكي عن المتأخر، لأنه في سوق الطاقة العالمية الجديدة، مَن يتكيَّف بسرعة يربح، ومَن يُراهن على الماضي يخسر.
