صوت مصر والعالم

سامر شقير: 28 مليون طن تختفي فجأة.. بداية عصر الفوضى في أسواق الطاقة

الثلاثاء 31 مارس 2026 06:15 مـ 12 شوال 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في 2026، لم تعد الطاقة مجرد سلعة تُباع وتُشترى… بل تحوّلت إلى سلاح جيوسياسي كامل الأركان، يُعاد من خلاله رسم موازين القوى في العالم.

ما نشهده اليوم في سوق الغاز الطبيعي المسال ليس أزمة تقليدية ناتجة عن نقص مؤقت في الإمدادات، بل صدمة هيكلية عميقة تضرب قلب الاقتصاد العالمي، وتكشف هشاشة نظام طاقة بُني لعقود على افتراض الاستقرار.

التقرير الذي نشرته صحيفة The New York Times طرح سؤالًا مباشرًا: ماذا لو نفد الغاز القادم من الشرق الأوسط إلى آسيا؟ لكن الحقيقة أن السؤال الأهم ليس “ماذا لو نفد؟” بل “ماذا لو انهار النظام بالكامل الذي اعتمد عليه العالم؟”.

المشهد على الأرض يوضح حجم الكارثة: تعطّل شبه كامل للإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو الشريان الذي يمر من خلاله جزء ضخم من تجارة الطاقة العالمية، بالتزامن مع ضربات استهدفت منشآت تصدير الغاز، ما أدى إلى خروج نحو 28 مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال من السوق دفعة واحدة.

هذه ليست مجرد فجوة وهذه فجوة صادمة أعادت السوق إلى حالة “الندرة”، حيث لم يعد السعر يُحدد بالتوازن، بل بالخوف.

النتيجة كانت فورية، قفزات حادة في أسعار الغاز تجاوزت 40% خلال أسابيع، وارتفاعات في أسعار الكهرباء في دول صناعية كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية وصلت إلى 35%. آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وجدت نفسها فجأة في قلب العاصفة، أمام اقتصاد يعمل بلا وقود.

اليابان وكوريا اضطرتا لتقليص الإنتاج الصناعي، والصين بدأت تشهد تباطؤًا واضحًا يهدد سلاسل التوريد العالمية، بينما لجأت دول مثل الهند وباكستان إلى العودة للفحم، في خطوة تعكس حجم الضغط، حتى لو كان الثمن بيئيًا وصحيًا كارثيًا.

ما يحدث هنا ليس مجرد أزمة طاقة بل تحول جذري من اقتصاد مستقر إلى اقتصاد يعيش على الصدمات اليومية.

لكن الخطورة الحقيقية لا تقف عند آسيا ونحن أمام عدوى اقتصادية عالمية وارتفاع أسعار الطاقة يعني تضخمًا صناعيًا يضرب كل القطاعات، من التصنيع إلى النقل، ويؤدي إلى تعطيل خطط التحول الأخضر، مع عودة قسرية لمصادر طاقة ملوثة. الأسواق مترابطة، وأي خلل في آسيا سينعكس تلقائيًا على أوروبا وأمريكا، سواء في الأسعار أو في النمو.

المعادلة أصبحت واضحة، كل ارتفاع في تكلفة الطاقة يضغط على النمو، ويغذي التضخم، ويزيد من هشاشة الأسواق المالية. لكن وسط هذا المشهد القاتم، هناك زاوية مختلفة لا يراها الجميع.
ما يحدث اليوم ليس فقط أزمة بل إعادة توزيع ضخمة للثروة العالمية.

الجغرافيا، التي كانت تُعتبر ميزة ثابتة، أصبحت الآن أصلًا ماليًا يُعاد تسعيره لحظيًا، والممرات الآمنة لم تعد مجرد طرق شحن، بل أصول تُمنح علاوة سعرية ضخمة. والأمان الجيوسياسي لم يعد عاملًا ثانويًا، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في تقييم الاستثمارات.

في هذا السياق، تظهر فرص استثنائية لمن يفهم التحول. شركات الغاز الطبيعي المسال خارج مناطق الاختناق، خصوصًا في الولايات المتحدة وأستراليا، تستفيد من الطلب الآسيوي المتزايد.

مشاريع الغاز في أفريقيا بدأت تكتسب أهمية استراتيجية، لأنها بعيدة عن التوترات الجيوسياسية وفي الخليج، هناك تحوّل واضح نحو إعادة التموضع، عبر تطوير مسارات بديلة وتوسيع الاستثمارات في الطاقة التقليدية والنظيفة.

في الوقت نفسه، تدخل الطاقة المتجددة مرحلة تسريع قسري، ليس بدافع بيئي فقط، بل كخيار أمني.

الطاقة الشمسية، الرياح، وحتى المفاعلات النووية الصغيرة، أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي للدول. ومعها، تدخل المعادن النادرة مثل الليثيوم والنحاس والنيكل في دورة صعود طويلة، مدفوعة بالطلب على البنية التحتية للطاقة الجديدة.

المستثمر الذكي اليوم لا يراهن على اتجاه واحد، بل يفهم أن المرحلة الحالية هي مرحلة انتقالية. الغاز لم يعد نهاية الطريق، بل جسر نحو مستقبل طاقي مختلف.

ومن يستطيع أن يجمع بين الاستثمار في الطاقة التقليدية الآن، والطاقة النظيفة لاحقًا، هو من سيحصد العوائد الأكبر.

الدرس الأهم الذي يجب استيعابه هو أن الجغرافيا لم تعد مجرد خلفية للأحداث بل أصبحت هي العامل الأساسي في التسعير. ما نراه اليوم يعيد إلى الأذهان أزمة النفط في السبعينيات، لكن الفارق أن الأدوات تغيرت، والأسواق أصبحت أكثر تعقيدًا وترابطًا.

في النهاية، أزمة الغاز الطبيعي المسال في 2026 ليست حدثًا عابرًا، بل بداية عصر جديد عنوانه عدم اليقين المنظم. عالم تُعاد فيه صياغة التحالفات، وتُعاد فيه كتابة قواعد الاستثمار، وتصبح فيه الطاقة محور الصراع والفرص في آن واحد.

الرهان لم يعد على الاستقرار بل على القدرة على قراءة التحول، ومن يعيد توزيع أصوله جغرافيًا، ويدخل مبكرًا في سلاسل الإمداد الجديدة، لن ينجو فقط من الأزمة… بل سيخرج منها بثروة استثنائية.