صوت مصر والعالم

سامر شقير: بين ترامب وباول.. معركة الفائدة التي قد تفجر الأسواق العالمية

الثلاثاء 17 مارس 2026 02:26 مـ 28 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

مع اقتراب اجتماع Federal Open Market Committee في 18 مارس 2026، تتحوَّل الأنظار من مجرد قرار فائدة تقليدي إلى لحظة مفصلية تتقاطع فيها السياسة النقدية مع أخطر توتر جيوسياسي في العالم، فأسواق النفط لم تعد تتحرَّك فقط وفق العرض والطلب، بل أصبحت رهينة مباشرة لتصعيد عسكري يُهدِّد شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، حيث يمر نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وليس إنتاجه كما يُشاع أحيانًا.

منذ اندلاع التوترات الأخيرة، قفزت أسعار النفط بأكثر من 10% إلى 15% في أيام معدودة، وهو سلوك طبيعي تاريخيًّا في مثل هذه الأزمات، ومع تجاوز الأسعار حاجز 100 دولار للبرميل، بدأت الأسواق تسعِّر سيناريوهات أكثر خطورة، أبرزها تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز، لكن هنا يجب التوقف عند الأرقام بدقة: التدفقات اليومية عبر المضيق تتراوح بين 17 و21 مليون برميل، إلا أن أي إغلاق جزئي لن يسحب كامل هذه الكمية من السوق، بل قد يؤدي فعليًّا إلى فقدان ما بين 10 و15 مليون برميل يوميًّا، بسبب وجود مسارات تصدير بديلة في الخليج.

هذا الفارق ليس تفصيلًا تقنيًّا، بل عنصر حاسم في فهم اتجاه الأسعار، فالمبالغة في تقدير حجم الصدمة قد تدفع المستثمرين إلى قرارات خاطئة، بينما القراءة الدقيقة تفتح المجال لاستراتيجيات أكثر توازنًا.

في هذا السياق، تبدو تحركات OPEC+ محدودة التأثير نسبيًّا، إذ إن زيادة الإنتاج بنحو 200 ألف برميل يوميًّا تظل ضئيلة أمام فجوة محتملة بعشرات الملايين، ما يعزز احتمالات استمرار التقلبات.

التاريخ يقدم إشارات مهمة، لكن بشرط قراءته بدقة، ففي الثمانينيات، ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات تقارب 30–40 دولارًا للبرميل، إلا أن الركود العالمي آنذاك لم يكن نتيجة النفط وحده، بل جاء أساسًا نتيجة السياسة النقدية المتشددة التي قادها Paul Volcker لمواجهة التضخم، الذي تجاوز بالفعل 10% في السبعينيات.

هذا الدرس يُعيد نفسه اليوم بشكل مختلف، الفيدرالي لا يواجه فقط تضخمًا، بل صدمة عرض جيوسياسية معقدة.

في قلب هذا المشهد، يبرز الصراع السياسي بين Donald Trump وJerome Powell كعامل إضافي يزيد الغموض، فمع اقتراب نهاية ولاية باول في مايو 2026، تتصاعد الضغوط لخفض الفائدة بسرعة، وهو خيار قد يبدو جذابًا لدعم النمو، لكنه يحمل مخاطر تضخمية كبيرة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، ورغم أن الأسواق تضع في الحسبان سيناريو خفض الفائدة، إلا أن التخفيضات الكبيرة مثل 0.5% دفعة واحدة تظل مرتبطة عادة بأزمات حادة، وليست الخيار الافتراضي.

الحديث عن "طباعة النقود" كحل سريع يظل تبسيطًا مخلًا، الأدوات الحقيقية التي قد يستخدمها الفيدرالي تتمثل في التيسير الكمي وإدارة السيولة، وهي سياسات أكثر تعقيدًا وتأثيرًا على المدى الطويل، خاصة في بيئة ترتفع فيها تكاليف الطاقة وسلاسل التوريد.

وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار كل الأصول البديلة ملاذًا آمنًا؛ فالذهب يحتفظ بمكانته التقليدية، بينما تبقى العملات الرقمية أكثر تقلبًا، وغالبًا ما تتحرك مثل الأصول عالية المخاطر.

الأهم من كل ذلك أن الأسواق لا تتفاعل مع الأرقام المجردة، بل مع التوقعات، فإذا اقتنعت بأن الإمدادات ستتراجع بشكل حاد، سترتفع الأسعار حتى قبل حدوث النقص فعليًّا.

وإذا رأت أن الفيدرالي سيتأخر في الاستجابة، فقد نشهد موجة تضخم جديدة، أما إذا اتجه نحو التشدد، فقد يتكرر سيناريو الضغط على النمو كما حدث في فترات تاريخية سابقة.

في النهاية، ما يحدث اليوم ليس مجرد تفاعل بين النفط والفائدة، بل إعادة تشكيل للعلاقة بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد، والدقة في قراءة الأرقام لم تعد رفاهية، بل ضرورة استثمارية، فبين 20% من تجارة النفط، و10 إلى 15 مليون برميل مهددة، وقرارات فائدة قد تتحرك بربع نقطة فقط، تتحدد اتجاهات تريليونات الدولارات، المستثمر الذكي هو مَن يرى ما وراء الضجيج، ويفهم أن الفرق بين رقم دقيق وآخَر مبالغ فيه قد يعني الفرق بين الربح والخسارة.