تحليل الأسواق العالمية بعد الحرب الأمريكية الإيرانية.. لماذا لم تنهَر البورصات رغم التصعيد العسكري؟
رغم التصعيد العسكري غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم تشهد الأسواق المالية العالمية الانهيار الذي توقعه كثير من المراقبين. فالحرب التي بدأت بضربات جوية واسعة أواخر فبراير 2026 وأدت إلى تطورات سياسية وعسكرية خطيرة، انعكست بشكل مختلف على الاقتصاد العالمي.
وبينما كانت عناوين الأخبار تتحدث عن احتمالات اتساع الصراع وإغلاق مضيق هرمز، كان المستثمرون في وول ستريت يقرؤون المشهد بطريقة أكثر هدوءًا، وفق ما كشفه سكوت نوتال خلال مشاركته في مؤتمر Bloomberg Invest 2026 في نيويورك.
تطورات الحرب وتأثيرها على المشهد العالمي
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، بدأت المواجهة العسكرية بضربات جوية واسعة النطاق استهدفت مواقع إيرانية حساسة، في تصعيد اعتبره كثيرون من أخطر الأحداث الجيوسياسية في السنوات الأخيرة. وأسفرت تلك الضربات عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو ما فتح الباب أمام ردود فعل إيرانية عسكرية استهدفت قواعد أمريكية في منطقة الخليج.
ولم تتوقف تداعيات الصراع عند هذا الحد، إذ شهدت المنطقة توترًا إضافيًا مع إغلاق جزئي لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. هذا التطور كان من المفترض أن يثير حالة من الذعر في الأسواق المالية العالمية، إلا أن الواقع جاء مختلفًا بشكل لافت.
لماذا لم تنهَر الأسواق العالمية؟
رغم خطورة الأحداث العسكرية، حافظت الأسواق المالية على قدر من الاستقرار النسبي. فقد ظل مؤشر S&P 500 شبه مستقر منذ بداية عام 2026، في حين سجلت الأسهم الأوروبية ارتفاعًا يقارب 6%، بينما حققت الأسواق الآسيوية مكاسب وصلت إلى نحو 8%، مع بعض التصحيحات المحدودة.
هذا الأداء أثار تساؤلات كثيرة بين المحللين الاقتصاديين حول أسباب هذا الهدوء النسبي في الأسواق، خاصة في ظل حدث جيوسياسي كبير قد يؤثر على الطاقة والتجارة العالمية.
تشبيه الأسواق بين “الصديق العاطفي” و“الصديق الرصين”
خلال مشاركته في مؤتمر Bloomberg Invest 2026، قدم سكوت نوتال، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة الاستثمار العالمية KKR، تفسيرًا لافتًا لهذا المشهد. فقد شبّه سوق الأسهم بما أسماه “الصديق العاطفي”، الذي يتفاعل بسرعة مع الأخبار وقد يبالغ في ردود أفعاله.
في المقابل، اعتبر أن سوق السندات والائتمان يمثل “الصديق الرصين العقل”، الذي يتعامل مع الأحداث بهدوء ويعكس المخاطر الحقيقية المرتبطة بالاقتصاد، مثل احتمالات الإفلاس أو تراجع السيولة.
وأوضح نوتال أن القلق الحقيقي يبدأ عندما يفقد هذا “الصديق الرصين” هدوءه، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن، حيث ما تزال أسواق الائتمان العالمية مستقرة نسبيًا، كما أن فروق العوائد على السندات لم تشهد ارتفاعات حادة تشير إلى حالة ذعر مالي واسع.
الرسائل غير المباشرة من تصريحات نوتال
بعيدًا عن التصريحات المباشرة، حملت كلمات نوتال عدة رسائل ضمنية مهمة. فقد أشار إلى أنه لو تم سؤال الحاضرين قبل أسبوع فقط عن احتمالية تنفيذ ضربات أمريكية بهذا الحجم ضد إيران، فإن كثيرين كانوا سيخطئون في توقعاتهم.
هذا التعليق قد يبدو عابرًا، لكنه يشير إلى احتمال أن بعض دوائر المال في وول ستريت كانت تدرك مسبقًا أن التصعيد العسكري وارد، وهو ما قد يفسر جزئيًا حالة الهدوء النسبي في الأسواق المالية.
ففي عالم الاستثمارات الكبرى، نادرًا ما تأتي الأحداث الجيوسياسية الكبيرة بشكل مفاجئ تمامًا، إذ يتم تحليل المؤشرات وبناء السيناريوهات المحتملة قبل وقوعها.
فرص استثمارية في أوقات الاضطراب
من النقاط اللافتة أيضًا في حديث نوتال إشارته إلى أن شركة KKR تمتلك نحو 118 مليار دولار من السيولة غير المستثمرة، المعروفة في عالم الاستثمار باسم “المال الجاف”.
هذا الحجم الضخم من السيولة يمنح الشركات الاستثمارية الكبرى قدرة على اقتناص الفرص خلال فترات الاضطراب. فالتاريخ المالي يظهر أن العديد من أكبر الصفقات المربحة تمت خلال فترات الخوف وعدم اليقين، عندما تنخفض أسعار بعض الأصول بسبب القلق وليس بسبب ضعف اقتصادي حقيقي.
وبالتالي، فإن المستثمرين الاستراتيجيين غالبًا ما ينتظرون لحظات التقلب لشراء الأصول الجيدة بأسعار أقل من قيمتها الفعلية.
ثقة نسبية في قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات
يعكس هدوء الأسواق أيضًا درجة من الثقة في قدرة الاقتصاد العالمي على التعامل مع الأزمات الجيوسياسية. فحتى مع التوتر في مضيق هرمز، تراهن الأسواق على استمرار تدفق النفط وعدم تحول التصعيد العسكري إلى أزمة اقتصادية شاملة.
ويرى كثير من المستثمرين أن هناك فرقًا واضحًا بين المخاطر السياسية والمخاطر المالية، فليس كل صراع جيوسياسي يؤدي بالضرورة إلى انهيار اقتصادي عالمي.
دروس للمستثمرين في أوقات الأزمات
يقدم هذا المشهد عدة دروس مهمة للمستثمرين، خصوصًا في فترات التوتر وعدم الاستقرار. فالقاعدة الأولى تتمثل في عدم الانجراف وراء ردود الفعل العاطفية للأسواق، والتي قد تدفع البعض إلى اتخاذ قرارات متسرعة.
أما القاعدة الثانية فهي مراقبة مؤشرات الأسواق العميقة مثل أسواق الائتمان والسندات وفروق العوائد وأسعار الطاقة، لأنها غالبًا ما تعكس الصورة الحقيقية للوضع الاقتصادي.
وتبقى القاعدة الأهم هي الحفاظ على الهدوء والقدرة على تحليل الأحداث بموضوعية، لأن الأزمات الكبرى غالبًا ما تتحول إلى فرص استثمارية لمن يمتلكون الرؤية طويلة المدى.
