صوت مصر والعالم

قراءة تحليلية لسامر شقير.. كيف تؤثر التوترات الجيوسياسية على استراتيجيات الاستثمار في الذهب بالصين؟

الخميس 5 مارس 2026 12:35 مـ 16 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في ظل تسارع التقلبات في الأسواق العالمية وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي، يبرز الذهب مجددًا في قلب المشهد المالي العالمي باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة.

وفي هذا السياق، يرى رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ التحركات الأخيرة في سوق الذهب، خصوصًا تلك القادمة من الصين، تستحق قراءة أعمق تتجاوز التفسيرات التقليدية لارتفاع الأسعار.

ويقول شقير: إنَّ السؤال الحقيقي لم يعد يتمثل في سبب ارتفاع الذهب، بل في فهم السبب الذي جعل الصين تقود هذه الموجة، مضيفًا أنَّ ما يحدث يطرح تساؤلات مهمة حول ما إذا كانت الأسواق أمام موجة مضاربية مدفوعة بالهامش والرافعة المالية، أم أنَّ العالم يشهد إعادة تموضع رأسمالية أعمق قد تمهد لتحول استراتيجي في ميزان القوة المالية العالمية.

«الصين» من مشترٍ تقليدي إلى مُحرِّك تقلبات عالمي

يوضح سامر شقير، أنَّ الذهب لم يعد في الصين مجرد أداة تحوط تقليدية كما كان في السابق، بل أصبح خلال الأشهر الأخيرة أداة لإعادة توزيع الثروة داخل الاقتصاد المحلي.

ويشير رائد الاستثمار، إلى أنَّ هذا التحوُّل يرتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها أزمة قطاع العقارات الذي كان يمثل الوعاء الادخاري الأول للأسر الصينية، إضافة إلى ضعف شهية المخاطرة في سوق الأسهم وتآكل العوائد الحقيقية في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع مستويات القلق نتيجة التوترات الجيوسياسية العالمية.

ويضيف شقير، أنَّ هذه البيئة دفعت العديد من المستثمرين والأفراد إلى النظر إلى الذهب باعتباره مأوى ماليًّا آمنًا، موضحًا أنَّ اللافت في هذه الظاهرة ليس فقط ارتفاع الطلب، بل الطريقة التي يتم بها شراء الذهب، حيث بدأ استخدام التداول بالهامش يتوسع بشكل ملحوظ.

الهامش والرافعة المالية.. سلاح ذو حدَّين

ويشرح سامر شقير، أنَّ الهامش في الأسواق المالية يعني اقتراض أموال من الوسيط لشراء أصل بقيمة أكبر من رأس المال المتاح، بينما تعني الرافعة المالية مضاعفة حجم الاستثمار باستخدام الدين، الأمر الذي يؤدي إلى تضخيم الأرباح المحتملة لكنه في الوقت نفسه يضاعف الخسائر.

ويضرب شقير مثالًا توضيحيًّا قائلًا: إنَّ المستثمر الذي يملك عشرة آلاف دولار ويستخدم رافعة مالية بمعدل خمسة أضعاف يستطيع التحكم فعليًّا باستثمار قيمته خمسون ألف دولار من الذهب، ويوضح أنه في حال ارتفاع الذهب بنسبة خمسة في المئة، فإن العائد قد يصل إلى نحو خمسة وعشرين في المئة من رأس المال، لكن في المقابل فإن انخفاض السعر بالنسبة نفسها قد يؤدي إلى خسارة رأس المال بالكامل.

ويؤكد شقير، أنَّ هذا النوع من التداول يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي حركة سعرية مفاجئة.

دروس من التاريخ في الأسواق الصينية

وفي قراءته التاريخية للأسواق، يشير سامر شقير إلى أنَّ الصين شهدت في السابق عدة حالات توسع في استخدام الرافعة المالية.

ويذكر من أبرزها فقاعة الأسهم الصينية عام 2015 في شنغهاي، إضافة إلى موجات المضاربة العقارية التي سبقت أزمة ديون شركات التطوير العقاري، فضلًا عن تداول السلع عبر منصات محلية برافعات مالية مرتفعة.

ويقول شقير: إنَّ التجارب السابقة تظهر بوضوح أن توسع استخدام الرافعة المالية يؤدي عادة إلى تضاعف حساسية السوق لأي تصحيح مفاجئ، وهو ما يجعل مراقبة ما يحدث في سوق الذهب مسألة بالغة الأهمية في المرحلة الحالية.

هل الصين تدَّخر أم تناور استراتيجيًّا؟

وحول البُعد الاستراتيجي لما يحدث، يقول سامر شقير: إنَّ أحد أكثر الأسئلة التي تثير الجدل بين المحللين يتمثل في معرفة ما إذا كان الاندفاع الشعبي نحو الذهب يعكس قرارًا استثماريًّا فرديًّا أم أنه يتقاطع مع توجه استراتيجي أوسع على مستوى الدولة.

ويضيف شقير، أنه لا توجد أدلة قاطعة تشير إلى وجود توجيه رسمي مباشر للأفراد لشراء الذهب، إلا أن عدة مؤشرات لا يمكن تجاهلها، من بينها زيادة احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي الصيني على مدى فترات متتالية، وتزامن الطلب المحلي المرتفع مع توترات نقدية عالمية.

ويؤكد رائد الاستثمار، أنَّ الذهب يظل عنصر تحوط سيادي طويل الأجل، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين الادخار الدفاعي للأفراد وبين الاستراتيجية الجيوسياسية للدول، موضحًا أن تراكم الذهب في اقتصاد بحجم الصين لا يمكن اعتباره حدثًا عابرًا.

المستثمر الصيني.. تحولات في السلوك المالي

ويشير سامر شقير، إلى أنَّ صورة المستثمر الصيني شهدت تغيُّرًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد السوق مقتصرة على نمط واحد من المستثمرين.

فبحسب شقير، تضم السوق اليوم مستثمري التجزئة في المدن الكبرى الذين يبحثون عن ملاذ آمن بعد تراجع الثقة في سوق العقارات، إلى جانب مديري الثروات العائلية الذين يعملون على إعادة توزيع الأصول بعيدًا عن المخاطر النظامية، إضافة إلى صناديق استثمار خاصة وشبه سيادية تسعى للتحوط من تقلبات العملة.

ويضيف أن هذا التنوع في مصادر الطلب يزيد من تعقيد قراءة حركة السوق.

التَّحوُّل الهيكلي في الثروة الصينية

وفي سياق الحديث عن التحولات الاقتصادية في الصين، يشير سامر شقير إلى الدور الكبير الذي لعبه الجيل الجديد من رواد الأعمال والمليارديرات الذين بنوا ثرواتهم خلال العقدين الماضيين في قطاعات التكنولوجيا والمنصات الرقمية والاستهلاك المحلي.

ومن أبرز هذه الأسماء:
Jack Ma مؤسس Alibaba Group ورائد أعمال صيني في التجارة الإلكترونية.
Pony Ma مؤسس Tencent ورئيس مجلس إدارتها.
Zhong Shanshan من أبرز رجال الأعمال في قطاع الأغذية والأدوية ومؤسس ورئيس Nongfu Spring للمياه المعدنية وWantai Biological Pharmacy.

ويقول شقير: إنَّ هذه الثروات تشكَّلت في مرحلة توسع اقتصادي سريع، لكن مع تشديد الرقابة الحكومية على قطاع التكنولوجيا وتباطؤ النمو الاقتصادي، بدأت رؤوس الأموال في الصين تميل إلى استراتيجيات تنويع أكثر دفاعية تهدف إلى الحفاظ على رأس المال.

ويضيف أنه لا توجد بيانات عامة تؤكد شراء هؤلاء المستثمرين الذهب بشكل مباشر، إلا أن البيئة الاستثمارية المحيطة بهم تعكس انتقالًا واضحًا من مرحلة النمو العدواني إلى مرحلة إدارة المخاطر.

هل ما يحدث فقاعة مالية؟

وفي تقييمه للوضع الحالي، يوضح سامر شقير، أنَّ هناك بعض المؤشرات التي قد توحي بوجود ملامح فقاعة محتملة في سوق الذهب، مثل ارتفاع التقلبات اليومية في الأسعار والتوسع في التداول باستخدام الرافعة المالية، إضافة إلى الاندفاع النفسي الجماعي نحو الأصل.

لكن شقير يشير في المقابل إلى أنَّ الذهب لا يزال يمثل نسبة صغيرة جدًّا من إجمالي الأصول المالية العالمية، وأنَّ إعادة تخصيص نسبة بسيطة من المحافظ الاستثمارية العالمية قد تكون كفيلة بدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

ويضيف أن الطلب الرسمي من البنوك المركزية يختلف جذريًّا عن الطلب المضاربي في الأسواق المالية، وهو ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد فقاعة تقليدية.

قراءة استراتيجية

ويختتم سامر شقير تحليله بالقول: إنَّ المخاطر في عالم الاستثمار لا تقاس بارتفاع الأصوات في الأسواق، بل بمدى انتشار استخدام الرافعة المالية.

ويضيف أنه إذا كان الطلب الصيني على الذهب مدفوعًا بالادخار طويل الأجل، فقد يكون الاتجاه الصعودي مستدامًا، أما إذا كان مدفوعًا بالمضاربة قصيرة الأجل عبر التداول بالهامش، فإن التقلبات الحادة قد تصبح جزءًا من المشهد في المرحلة المقبلة.

ويؤكد شقير، أن التمييز بين هذين المسارين سيكون العامل الحاسم في فهم مستقبل سوق الذهب.

أسئلة مفتوحة أمام الأسواق العالمية

وفي الختام، يطرح سامر شقير مجموعة من الأسئلة التي قد تحدد مسار الأسواق في السنوات المقبلة.
ويتساءل ما إذا كان الذهب قد يتحول إلى بديل شعبي للعقار في الصين، وما الذي قد يحدث إذا فرضت السلطات قيودًا على التداول بالهامش، وما إذا كانت الأسواق ستشهد موجة تصحيح حادة أم استقرارًا عند مستويات سعرية أعلى.

ويختتم شقير بالتأكيد على أنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة لن تحدد فقط مستقبل الذهب، بل قد تكشف أيضًا عن تحول أعمق في خريطة الثروة العالمية.