صوت مصر والعالم

توزيع المخاطر عبر الأصول: ما الذي يقف خلف هدوء النفط والذهب؟

الأربعاء 18 فبراير 2026 03:13 مـ 1 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في الأسواق المالية، لا تتحرك الأسعار استجابةً لخبر واحد بقدر ما تعكس توازنًا دقيقًا بين قوى متعددة، بعضها ظاهر في العناوين، وبعضها الآخر كامن في طريقة “التسعير” ذاتها. جلسة أمس الثلاثاء 17 فبراير 2026 كانت مثالًا حيًا على هذا التوازن: تراجع في علاوة المخاطر الجيوسياسية من جهة، مقابل تصاعد الأسئلة الجوهرية حول تكلفة وتمويل ثورة الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.

والنتيجة لم تكن ذعرًا… بل إعادة توزيع محسوبة للمخاطر عبر الأصول.

وكما يقول وارن بافيت "بالمعنى"، فإن السوق يكافئ الانضباط حين يتجمّد الآخرون أو يطاردون الضجيج. اليوم بالذات، لم يكن الضجيج محصورًا في الأسهم فقط، بل امتد إلى طريقة التسعير نفسها عبر النفط والذهب والعملات والأسهم، في مشهد يعكس انتقال مركز الثقل من “قسط الجيوسياسة” إلى “عقدة الذكاء الاصطناعي”.

عندما يهدأ "قسط الجيوسياسة” وتبقى “عقدة الذكاء الاصطناعي"

في جلسة أمس، لم يعش السوق خبرًا واحدًا، بل عاش مقايضة واضحة بين عاملين رئيسيين: الأول هو استمرار قلق التقييمات والمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والثاني هو تراجع علاوة الخوف الجيوسياسي مع تقدّم مسار محادثات أميركا–إيران، وهو ما انعكس فورًا في ضغط على النفط والذهب، مقابل ارتفاع الدولار. هذا التفاعل لم يكن حدثًا معزولًا، بل كان إعادة تسعير شاملة عبر فئات الأصول.

فعلى مستوى الأسهم العالمية، كان المشهد أقرب إلى “تدوير” للسيولة وليس حالة ذعر. ففي أوروبا، أغلق مؤشر STOXX 600 مرتفعًا بنسبة +0.5%، مدفوعًا بصعود قطاع البنوك بنسبة +1.3% وقطاع الرعاية الصحية بنسبة +1.4%، مسجلًا أعلى مستوى له منذ سبتمبر 2024، في حين تعرضت أسهم الطاقة والمواد الأساسية لضغوط نتيجة هبوط أسعار السلع.

أما في الولايات المتحدة، فقد شهدت المؤشرات تذبذبًا خلال الجلسة قبل أن تنهي التداولات على ارتفاع، حيث صعد مؤشر داو جونز بنسبة +0.28%، وارتفع S&P 500 بنسبة +0.44%، فيما قاد ناسداك المكاسب بارتفاع +0.62%، وسط نقاش متزايد في السوق حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل بالفعل طفرة إنتاجية طويلة الأجل أم أنه يتحول تدريجيًا إلى فقاعة إنفاق ضخمة.

في المقابل، قدمت كندا، التي تُعد مرآة لحركة السلع، دليلًا واضحًا على المحرك الحقيقي للجلسة، حيث هبط مؤشر TSX بنسبة -1.32%، متأثرًا بانخفاض قطاع المواد بنسبة -4.3%، وتراجع مؤشر الذهب بنفس النسبة، إلى جانب انخفاض قطاع الطاقة بنسبة -1.3%. هذا التراجع أكد أن العامل الحاسم لم يكن أرباح الشركات المحلية، بل حركة السلع وقوة الدولار.

أما في سوق السلع، فقد كان التأثير أكثر وضوحًا. إذ هبطت أسعار النفط بنحو -2% لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين تقريبًا، حيث استقر خام برنت قرب 67.42 دولارًا، وخام غرب تكساس قرب 62.33 دولارًا، نتيجة قراءة السوق لاحتمال انخفاض مخاطر الإمدادات في حال استمرار التقدم السياسي. وبالمثل، تراجع الذهب بنسبة -2.2% إلى نحو 4,884 دولارًا للأونصة، بينما انخفضت الفضة بنسبة -4.1%، مع تراجع الطلب على الملاذات الآمنة بالتزامن مع قوة الدولار.

ورغم هذه التحركات، لم يصل السوق إلى مرحلة الذعر. فقد أغلق مؤشر التقلبات VIX عند مستوى 21.20، وهو مستوى يعكس قلقًا مرتفعًا نسبيًا، لكنه لا يزال بعيدًا عن مستويات الذعر الحاد التي عادة ما تصاحب الأزمات الكبرى. وهذا يعني أن المستثمرين لم يفقدوا السيطرة، لكنهم أصبحوا أكثر حساسية للمخاطر.

تاريخيًا، لم يكن هذا السيناريو جديدًا. فبحسب تقارير رويترز، شهد النفط في أبريل 2015 هبوطًا بنحو -3.8% بعد تقدم الاتفاق النووي، كما تراجع بنحو -2% في يوليو من العام نفسه عقب الإعلان الرسمي، بينما انخفض الذهب بنحو -1% في نوفمبر 2013 بعد اتفاق مرحلي. ويؤكد هذا النمط التاريخي أن تراجع المخاطر الجيوسياسية يؤدي غالبًا إلى هبوط النفط والذهب، وقوة الدولار، وضغط على أسهم السلع، وهو التسلسل نفسه الذي شهدناه في جلسة الثلاثاء.

الذكاء الاصطناعي تحت المجهر: من قصة نمو واعدة إلى اختبار حقيقي للتمويل

لكن رغم هذا الهدوء الجيوسياسي، بقيت الأسهم متقلبة بسبب العامل الثاني الأكثر حساسية: الذكاء الاصطناعي.

فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بإمكانات النمو، بل تحولت إلى تساؤلات حول تكلفة التمويل، ومستوى الديون، وقدرة الشركات على الحفاظ على هوامش الربحية. وقد أشارت تقارير رويترز إلى نشاط ملحوظ في عقود مبادلة مخاطر الائتمان CDS المرتبطة بشركات التكنولوجيا، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا التحوط ضد مخاطر التمويل المرتبطة بالإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي.

وهنا تتجلى الحكمة الشهيرة لـ تشارلي مونغر، الذي قال (بالمعنى) إن السعر الذي تدفعه يحدد العائد الذي تأخذه، وهو ما يعكس جوهر القلق الحالي: إذا استمر الإنفاق المرتفع مع تمويل مكلف، فإن التقييمات الحالية ستظل تحت ضغط.

وضمن هذا السياق، تبرز أهمية فهم بعض المصطلحات الأساسية التي تتحكم في حركة السوق، مثل Fed الذي يشير إلى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وVIX الذي يقيس توقعات تقلب السوق، وFX الذي يعبر عن سوق العملات، وG10 الذي يضم أهم العملات العالمية، وCDS التي تمثل أداة تأمين ضد التعثر، وLME وهي بورصة لندن للمعادن، إضافة إلى مفهومي Contango عندما تكون العقود الآجلة أعلى من السعر الفوري، وBackwardation عندما يكون السعر الفوري أعلى من العقود الآجلة.

وعلى المستوى العملي، ترسم هذه الجلسة خارطة قرار واضحة للمستثمرين.

فإذا استمر هبوط النفط والذهب مع قوة الدولار، فمن المرجح استمرار الضغط على أسهم السلع والأسواق المرتبطة بها، مقابل استفادة القطاعات الدفاعية مثل الرعاية الصحية والبنوك. أما إذا عاد التوتر الجيوسياسي فجأة، فقد يستعيد الذهب بعض جاذبيته كملاذ آمن، لكن هذا سيبقى سيناريو مرتبطًا بصدمة مفاجئة وليس الاتجاه الأساسي الحالي. أما السيناريو الأكثر أهمية، فهو احتمال انتقال قلق الذكاء الاصطناعي إلى سوق الائتمان، لأن ذلك سيؤدي إلى تغيير أعمق في ديناميكيات السوق.

في النهاية، ترسل الأسواق رسالة واضحة مفادها أن تراجع التوترات السياسية لا يعني اختفاء المخاطر، بل انتقالها من ساحة الجيوسياسة إلى ساحة التمويل. فالسوق اليوم يقول بوضوح: الجيوسياسة هدأت، لكن التسعير لم يهدأ، لأن قصة الذكاء الاصطناعي انتقلت من مرحلة الحلم إلى مرحلة الاختبار الحقيقي: اختبار التمويل، والهوامش، والاستدامة.