صوت مصر والعالم

سامر شقير: من هدوء الجيوسياسة إلى قلق التقييمات… لماذا لم يهدأ السوق؟

الأربعاء 18 فبراير 2026 02:59 مـ 1 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في الأسواق المالية، لا تتحرك الأسعار بفعل خبر واحد فقط، بل تعكس توازنًا دقيقًا بين قوى متعددة، بعضها ظاهر في العناوين، وبعضها الآخر يكمن في طريقة التسعير نفسها.

جلسة يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026 كانت مثالًا حيًا على هذا التوازن: تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية مع تقدم محادثات أميركا–إيران، مقابل تصاعد التساؤلات الجوهرية حول تكلفة وتمويل ثورة الذكاء الاصطناعي. النتيجة لم تكن ذعرًا، بل إعادة توزيع محسوبة للمخاطر عبر الأصول المختلفة.

وكما يقول المستثمر الشهير وارن بافيت: "السوق يكافئ الانضباط حين يتجمّد الآخرون أو يطاردون الضجيج." اليوم، لم يكن الضجيج محصورًا في الأسهم فقط، بل امتد إلى النفط، الذهب، العملات، وأسواق الأسهم، في مشهد يعكس انتقال مركز الثقل من "قسط الجيوسياسة" إلى "عقدة الذكاء الاصطناعي".

تراجع قسط الجيوسياسة مقابل عقدة الذكاء الاصطناعي

في جلسة أمس، لم يعش السوق خبرًا واحدًا، بل مقايضة بين عاملين رئيسيين:

  1. استمرار القلق حول تقييمات الذكاء الاصطناعي وتمويله.

  2. تراجع علاوة الخوف الجيوسياسي مع التقدم في المحادثات الأميركية–الإيرانية.

انعكس هذا التفاعل على تحركات الأصول كالآتي:

  • النفط والذهب شهدوا ضغطًا نزوليًا

  • الدولار الأمريكي ارتفع

  • الأسهم العالمية عكست حركة تدوير السيولة دون الذعر

على مستوى الأسهم الأوروبية، أغلق مؤشر STOXX 600 مرتفعًا بنسبة +0.5%، مدفوعًا بصعود قطاع البنوك +1.3% وقطاع الرعاية الصحية +1.4%، مسجلاً أعلى مستوى منذ سبتمبر 2024. في المقابل، تعرضت أسهم الطاقة والمواد الأساسية لضغوط نتيجة تراجع أسعار السلع.

في الولايات المتحدة، ارتفعت المؤشرات الرئيسية:

  • داو جونز +0.28%

  • S&P 500 +0.44%

  • ناسداك +0.62%

وسط نقاش حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل طفرة إنتاجية مستدامة أم مجرد فقاعة استثمارية.

أما كندا، التي تمثل مرآة لأسواق السلع، فقد هبط مؤشر TSX بنسبة -1.32%، متأثرًا بانخفاض قطاع المواد -4.3% والذهب -4.1% وقطاع الطاقة -1.3%. هذا يوضح أن العامل الأساسي لم يكن أرباح الشركات المحلية، بل حركة السلع وقوة الدولار.

سوق السلع: هبوط النفط والذهب مع تراجع المخاطر الجيوسياسية

شهدت أسواق السلع هبوطًا واضحًا:

  • خام برنت عند 67.42 دولارًا (-2%)

  • خام غرب تكساس عند 62.33 دولارًا (-2%)

  • الذهب نحو 4,884 دولارًا للأونصة (-2.2%)

  • الفضة -4.1%

جاء هذا الهبوط نتيجة قراءة السوق لاحتمال انخفاض مخاطر الإمدادات إذا استمر التقدم السياسي، مما دفع المستثمرين بعيدًا عن الملاذات الآمنة.

على الرغم من هذه التحركات، لم يصل السوق إلى مرحلة الذعر. فقد أغلق مؤشر التقلبات VIX عند 21.20، وهو مستوى يعكس قلقًا مرتفعًا نسبيًا لكنه بعيد عن الذعر الحاد، مما يوضح أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية للمخاطر دون فقد السيطرة.

الذكاء الاصطناعي تحت المجهر: من قصة واعدة إلى اختبار التمويل

رغم هدء الجيوسياسة، بقيت الأسهم متقلبة بسبب الذكاء الاصطناعي. القضية لم تعد مرتبطة فقط بإمكانات النمو، بل توسعت لتشمل:

  • تكلفة التمويل

  • مستويات الديون

  • القدرة على الحفاظ على هوامش الربحية

نشاط ملحوظ في عقود مبادلة مخاطر الائتمان (CDS) المرتبطة بشركات التكنولوجيا يشير إلى أن المستثمرين بدأوا اختبارًا حقيقيًا لمخاطر التمويل مقابل قصة النمو الواعدة.

خلاصة: الأسواق لا تهدأ رغم انخفاض المخاطر الجيوسياسية

الأسواق المالية اليوم تعكس مرحلة انتقالية حيث:

  • تراجع "قسط الجيوسياسة" يقلل الخوف من النزاعات

  • "عقدة الذكاء الاصطناعي" تثير تساؤلات حول التمويل والتقييمات

في هذه البيئة، الاستثمار الذكي يعتمد على مراقبة البيانات والتقييمات الواقعية، وليس الانسياق وراء الأخبار أو الضجيج الإعلامي.